لسان الدين ابن الخطيب

418

الإحاطة في أخبار غرناطة

توفي يوم الخميس الثالث لشعبان عام خمسة وستين وسبعمائة ، وقد ناهز السبعين سنة ، ودفن بروضتنا بباب إلبيرة ، وأعفي شارب الشّعر من نابي « 1 » مقصّه . وغير هذه الدعوى قرارها تجاوز القضية . محمد بن علي بن عمر العبدري « 2 » من أهل تونس ، شاطبي الأصل ، يكنى أبا عبد اللّه ، صاحبنا . حاله : كان فاضلا من أبناء النّعم ، وأخلاف العافية ، ولّي أبوه الحجابة بتونس عن سلطانها برهة ، ثم عدا عليه الدهر ، واضطر ولده هذا إلى اللحاق بالمشرق ، فاتصل به سكناه وحجّ ، وآب إلى هذه البلاد ظريف النّزعة ، حلو الضّريبة ، كثير الانطباع ، يكتب ويشعر ، ويكلف بالأدب ، ثم انصرف إلى وطنه . وخاطبني إلى هذا العهد ، يعرّفني بتقلّده خطة العلّامة ، والحمد للّه . وجرى ذكره في كتاب « الإكليل » بما نصّه « 3 » : غذيّ نعمة هامية ، وقريع رتبة سامية ، صرفت إلى سلفه الوجوه ، ولم يبق بإفريقية « 4 » إلّا من يخافه ويرجوه ، وبلغ هو مدة ذلك الشرف ، الغاية من التّرف . ثم قلب الدهر له ظهر المجنّ ، واشتدّ به الخمار « 5 » عند فراغ الدّنّ ، ولحق صاحبنا هذا بالمشرق بعد خطوب مبيرة « 6 » وشدّة كبيرة ، فامتزج بسكانه وقطّانه ، ونال من اللّذّات ما لم ينله في أوطانه ؛ واكتسب الشمائل العذاب ، وكان كابن الجهم « 7 » بعث إلى الرّصافة ليرقّ فذاب ، ثم حوّم على وطنه تحويم الطّائر ، وألمّ بهذه المدينة « 8 » إلمام الخيال الزائر ، فاغتنمت صفقة ودّه لحين وروده ، وخطبت موالاته على انقباضه وشروده ، فحصلت منه على درّة تقتنى ، وحديقة طيّبة الجنى . شعره : أنشدني في أصحاب له بمصر قاموا ببرّه « 9 » : [ الطويل ] لكلّ أناس مذهب وسجيّة * ومذهب أولاد النظام المكارم

--> ( 1 ) في نفح الطيب ( ج 8 ص 223 ) : « ثاني » . ( 2 ) ترجمة محمد بن علي العبدري في الدرر الكامنة ( ج 4 ص 198 ) ونفح الطيب ( ج 8 ص 377 ) . ( 3 ) النص في نفح الطيب ( ج 8 ص 377 ) . ( 4 ) في النفح : « من إفريقية » . ( 5 ) الخمار ، بضم الخاء : الألم في الرأس يصيب شارب الخمر . لسان العرب ( خمر ) . ( 6 ) مبيرة : مهلكة . لسان العرب ( بير ) . ( 7 ) هو علي بن الجهم ، من شعراء المتوكل العباسي . ( 8 ) في النفح : « البلاد » . ( 9 ) الأبيات في نفح الطيب ( ج 8 ص 377 ) .